مجموعة مؤلفين
91
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
القادر ، القاهر ، الخبير لنفسه لا بأمر زائد على ذاته ، فيكون بالنظر إلى نفسه ناقصا ، فلا يكون له كمال إلا بما هو زائد على ذاته ، فهذا من الاستقراء الذي لا يليق بالجناب العالي - تعالى اللّه - ثم إنه لما استشعر القائلون بهذا المذهب سلكوا في العبارة عنه مسلكا آخر ، فقالوا : ما علمنا بالاستقراء ، وإنما قلنا أعطى الدليل ألّا يكون عالما إلا من قام به العلم ، ولابد أن يكون أمرا زائدا على ذات العالم ؛ لأنه صفة معنى يقدر رفعه مع بقاء الذات ، فلما علمنا ذلك طردناه شاهدا وغائبا يعني في الحق والخلق ، وهذا هروب منهم ، وعدول عن عين الصواب ، ثم أكدوا ذلك بقولهم في حق الباري ، أن صفاته لا هي هو ولا هي غيره ، وحدوا الغيرين بحد يمنعه غيرهم ، وإذا سألتهم هل هو أمر زائد ؟ يعترفون ويقولون : إنه أمر زائد ، وهذا هو عين الاستقراء ، فلهذا قلنا : الاستقراء في معرفة اللّه لا يثبت ، وإن الاستقراء في الحقيقة لا يفيد علما ، انتهى . فإن قلت : يعلم من هذا الذي نقلته عن الشيخ رضى اللّه عنه أن مذهبه في الصفات عين مذهب الفلاسفة . قلت : ليس الأمر كذلك ، بل هو ما قررته سابقا ، وأشرت إليه أنه مذهب الصوفية وهو أن الصفات عين الذات بحسب الوجود وغيرها بحسب المفهوم . ومذهب الفلاسفة هو اتحاد الصفات بحسب الوجود والمفهوم معا . قال ابن سينا في « إلهيات النجاة » : فواجب الوجود ليست إرادته مغايرة الذات لعلمه ، ولا مغايرة المفهوم لعلمه ، فقد صرح بالاتحاد بحسب المفهوم أيضا . ومذهب الصوفية كما علمت سابقا اتحادها بالوجود ، ومغايرتها بالمفهوم ولهذا صح الحمل .